السيد صدر الدين الصدر العاملي

175

المهدي ( ع )

وهو يبكي بكاء الواله الثكلي ذات الكبد الحرّى قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيير في عارضيه ، وأبلى الدموع محجريه ، وهو يقول : سيّدي غيبتك نفت رقادي ، وضيّقت عليّ مهادي ، وابتزّت منّي راحة فؤادي ، سيّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد ، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع والعدد ، فما أحسّ بدمعة أرقي من عيني ، وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلّا مثّل لعيني عن غوابر أعظمها وأنطعها ، وبواقي أشدّها وأنكرها ، ونوائب مخلوطة بغضبك ، ونوازل معجونة بسخطك . قال سدير : فاستطارت عقولنا ولها ، وتصدّعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل ، وظنّنا أنّه سمت لمكروه قارعة ، أو حلّت به من الدّهر بائقة ، فقلنا : لا أبكى اللّه يا ابن خير الورى عينيك من أيّ حادثة تستنزف دمعتك ، وتستمطر عبرتك ، وأيّة حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟ قال : فزفر الصادق عليه السّلام زفرة إنتفخ منها جوفه ، واشتدّ عنها خوفه ، وقال : ويكم ( ويلكم خ ) إنّي نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصّ اللّه تقدّس اسمه به محمّدا والأئمّة من بعده عليه وعليهم السلام ، وتأمّلت منه مولد قائمنا وغيبته ، وإبطاءه وطول عمره ، وبلوى المؤمنين به من بعده في ذلك الزمان ، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته ، وارتداد أكثرهم عن دينهم ، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال اللّه تقدّس ذكره : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ « 1 » يعني الولاية . فأخذتني الرّقة ، واستولت عليّ الأحزان ، فقلنا : يا ابن رسول اللّه ، كرّمنا وشرّفنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك . قال : إنّ اللّه تبارك وتعالى أدار في القائم منّا ثلاثة أدارها في ثلاثة من الرسل : قدّر مولده تقدير مولد موسى ، وقدّر غيبته تقدير غيبة عيسى ، وقدّر إبطاءه كتقدير إبطاء نوح عليه السّلام ،

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 13 .